لم يكن أحد يتصور أن ابن الحداد الفقير والجندى البسيط وأستاذ الجامعة العصامى يصل إلى رئاسة بلد، ولم يكن يتصور أنه سيكون من أكثر رؤساء إيران المثيرين للجدل الذين يقفون فى وجه القوى العظمى التى تهيمن على العالم، ويطلقون تصريحات نارية لاذعة.. إنه الرئيس محمود أحمدى نجاد الذى فرضت عليه نشأته بين عائلة فقيرة أن ينادى بالانحياز للفقراء.
يقال إن نجاد بدأ حياته السياسية ناقما على الغرب عندما كان شابا يدرس بالجامعة، وتحدثت بعض الصحف العالمية ونشرت له صورا وهو ضمن الطلاب الذين شاركوا فى اقتحام السفارة الأمريكية بطهران – وكر التجسس- كما يسمونها فى إيران عقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979م، ولأن أيدلوجية الجمهورية الإسلامية تقوم على التصدى للقوى العالمية التى تريد أن تهيمن على العالم، وتنشر الظلم وتستغل موارده، والوقوف بجانب المستضعفين، فلا عجب فى أنه عند توليه رئاسة البلاد يتصدى للغرب بتصريحات نارية جعلته شخصية منفرة لدى الغرب.
وما تميز به هذا المحافظ المتشدد، الذى طرح نفسه كمدافع عن الفقراء وعن القيم الإسلامية، هى خطاباته النارية التى تتضمن انتقادات قاسية للغرب ولإسرائيل، فبعد فوزه عام 2005 اعتبر أن محرقة اليهود مجرد "خرافة". قائلا: قد خلقوا أسطورة اليوم يسمونها مذبحة اليهود ويعتبرونها مبدأ فوق الإله، والأديان، والأنبياء"، خلال خطابه فى زاهدان. وكرر وصفه للهولوكوست عام 2006 بأنها "أسطورة مصطنعة".
ثم يطلق تصريحه الشهير بأن "إسرائيل يجب أن تزول من العالم"، ولم تكن تلك المرة الأولى أو الأخيرة خلال فترة حكمه، فقد كرر هذه التصريحات مرات عديدة خلال الثمانى سنوات التى حكم فيها.
المهندس وأستاذ الجامعة الذى تبدو عليه البساطة كان دائما خلال خطبه يشير للغرب فى أسوأ صوره، فقد قال فى خطابه بجامعة كولومبيا فى نيويورك عام 2007 "فى إيران ليس لدينا مثليون كما هو الحال فى بلادكم"، وحظى ظهوره بشعبية كبيرة آنذاك.
ويأتى الغرب؛ الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبى، ليفرض عقوبات على إيران بسبب البرنامج النووى الذى لم يتوقف فيه هذا المارد، وسار فيه كالقطار دون أن يتراجع قيد أنملة، حسبما يقول هو، ففرض الغرب على بلاده عقوبات، ليصرح نجاد مشيرا إلى عدم اكتراثه بمثل هذه العقوبات التى لم ولن تؤثر على الشعب الإيرانى، وخاطب الغرب فى عام 2008م قائلا: كم عقوبة أصدرتم حتى الآن؟ ثلاثة، أربعة، حتى لو أصدرتم مئة أخرى، فلن تستطيعوا الإضرار بالأمة الإيرانية." والواضح أن الشعب الإيرانى كان يناصره فى ذلك ولا يعبأ بالعقوبات لطالما يسير على خطى التقدم والنجاح لبلاده ووضعها فى مصاف الدول الكبرى والمتقدمة تكنولوجيا.
وتنتهى ولايته الأولى ثم يفوز بالولاية الثانية فى انتخابات مثيرة للجدل فى 2009، وتبدأ موجة احتجاجات تعم طهران، لاعتقاد البعض أنه قد حدث تزوير فى الانتخابات، ليدخل نجاد فى صراع مع الغرب، فهو رأى أن أعداء إيران يشنون عليها حربا وهم من يقومون بنشر الفوضى فى البلاد، ويخرج نجاد بتصريح يقول عن المحتجين "إنهم ثلة من الغبار والوسخ لا يمكنها أن تفعل شيئا ضد نهر الشعب الإيرانى الغاضب".
ولم يقف تصديه للغرب عند هذا الحد، بل اتهم الغرب بالتآمر على بلاده عندما تعرضت البلاد لأحد أسوأ موجات الحرارة، قال "بدأ العدو حربا ضدنا، إنهم يوقفون سحب المطر من الوصول إلى إيران. لكننا سنسود".
وكانت آخر تصريحاته التى أثارت جدلا واسعا، حتى فى الداخل الإيرانى وبين رجال الدين، تصريحه عندما توفى صديقه تشافيز، رئيس فنزويلا السابق، قائلا: "كان تشافيز فى الحقيقة شهيدا خدم الشعب الفنزويلى، مدافعا عن القيم الثورية والإنسانية، ولا شك أنه (تشافيز سيعود مع السيد المسيح والإنسان الكامل لبناء مجتمع إنسانى مسالم، وسعيد، وفيه مساواة".
لينتهى عصر نجاد المحافظ المتشدد فى 3 أغسطس بتولى الرئيس الإيرانى الجديد حسن روحانى، الذى ينتمى للإصلاحيين، إدارة البلاد، والذى وعد بتقليل الصراع بين إيران والعالم الخارجى وتحسين علاقات بلاده بكل الدول، وتغلق إيران حقبة نجاد التى امتدت لثمانى سنوات بما لها أو عليها.
المصدر اليوم السابع






0 التعليقات:
إرسال تعليق